لا يمكنك فهم العقليات المهيمنة وسط القطاع العمومي دون الاحتكاك بالناس. كأي شخص تعرض لوعكات صحية ، اتجهت كالعادة إلى الخواص ثم إلى القطاع العام ثم إلى الخواص الذين وجهوني بدورهم إلى القطاع العام. و الحق كل الحق أن للقطاعين ميزات و عيوب مشهودة. الخاص طامع في العام...و العام يتمنى لو أن لديه إمكانيات الخاص و عددا أقل من المرضى حتى يقلل من حجم العمل. ولكن للأسف الشديد نسمع دوما شهادات المرضى عما يحدث لهم في المستشفيات، و قلما نذكر محاسن الدكاترة و الممرضات و الطاقم العامل معهم، من البواب إلى الطباخ و مرورا بالصيدلاني...اذكر إنني مررت في التسعينات بتجارب اجبر تني على الإقامة بالمستشفيات و رأيت فيها ما يخفف الآلام و العناء بحيث يتوجب علينا جميع الاعتراف بفضل هذا القطاع علينا. و لكن منذ سنوات أصبح قطاع الصحة كغيره من القطاعات مهددا بالزوال و مسرحا للظلم و الإقصاء. أصبح الناس لا يذكرونه بخير. فما إن سردت حادثا وقع لي بمستشفى في العاصمة حتى استمعت لألف قصة و قصة مشابهة تتقاطع فيها أوجه الشبه: هناك زبائن خواص يستفيدون من "الواسطة" و الخدمات أما عامة الناس فقد ينتظرون ستة أشهر أو أكثر لموعد لدى طبيب اختصاصي و قد لا يراهم الطبيب لأن طابور الزبائن أطول من المرضى الحاصلين على مواعيد، فينصرف الكثير منهم دون زيارة الطبيب رغم حاجتهم الملحة للتطبيب و رغم انعدام الإمكانيات المادية التي قد تسمح لهم بالتوجه إلى عيادات خاصة. في مدة أسبوع سمعت عن حالات مماثلة تكررت من مستشفى باب الوادي- حيث انتظرت مع جماعة من المرضى صباحا كاملا من 7والنصف ال11س لننصرف جميعنا بدون الحصول على الخدمات و تكررت نفس القصة في مستشفى مصطفى با- أول ماي- وفي عيادات فرعية أخرى يحدث العجب من محسوبية اتجاه البعض و الإقصاء تجاه الكثيرين..
سأطرح قضيتين أساسيتين تنم عما يدور في نفس يعقوب من عقليات مخيفة. أولا إن بعض المستشفيات و ليس كلها تحولت إلى عيادات خاصة لها زبناؤها المعتادين و لأنها لا تستطيع التكفل بأعداد كبيرة من المرضى يشعر المريض " الغريب " بالغربة و بان عليه أن يتدبر أحواله خارج القطاع العام. المريض الذي يقوم و يصلى الصبح و يطلب من الله عز و جل أن يجد بشرا في القطاع العام والآ تقابله قلوب متحجرة فيعود المساء أدراجه دون قضاء حاجته أحيانا يأتي من الجنوب أو الشرق أو الغرب و يبيت عند أقربائه لأن كل شيء متمركز في المدن أما المناطق الداخلية فهي كالصحراء لا مراكز فيها ولا اختصاصات تذكر .و حينما يصل الى المستشفيات يصبح ألأمر مرهونا بالقضاء و القدر... يعني انك إذا وجدت قلوبا رحيمة فسوف تتلقى العلاج و إن كان نهارك أكحل ... ربي يجيب.
غيران العقلية ينبغي أن تتغير – إن لم تكن متدينا فكن متخلقا و إن لم تكن متخلقا فتحلى بالمسؤولية و اخدم الناس لأنك تتلقى الأجر على خدماتك.عقلية لا منطق لها. لا بد أن تتغير بالإرادة و الإلحاح.
ثانيا...المشكلة ليست فقط تحت ولكن فوق...
في أوروبا عندما تتحدث عن القطاع العام يعني أن المستثمرين الخواص يجتمعوا و يؤسسوا شركات بأموالهم لتقديم خدمات بالأسعار المدروسة بعد التجهيز و غيره...كما هو الحال في العيادات الخاصة...عندنا المسألة مختلفة تماما. هناك مستشفيات تم بناِؤها و تجهيزها في السبعينات بأموال و مشاريع خصصتها الدولة من ميزانياتها. و لكن داخل القطاع العام و خاصة في القطاع الصحي ترعرع اللصوص – الممتدة شبكتهم إلى الضمان الاجتماعي بمختلف فروعه- من ذوي الهندام الجميل و سال لعابهم منذ عشرات السنون و هم يحلمون بان يصبحوا أربابا للقطاع . في بادئ الأمر امتدت أياديهم إلى الأجهزة الباهظة الثمن المستوردة من الخارج...فأبقوها في المستودعات ثم بيعت بطرق لا تعقل . ثم أحيانا يجري تعطيلها لتعطيل المصالح و الخدمات حتى يصبح القطاع صالحا للخوصصة تماما مثل ما تم فعله ببعض المؤسسات العمومية. أفادتني طبيبة في القطاع العام بأن مصلحتها تتلقى بانتظام دواء نادرا و باهظ الثمن ، و توكل مهمة حفظه في الصيدلية الخاصة بالقطاع غير إنها كطبيبة نادرا ما تجد ذلك الدواء لمعالجة المرضى و خاصة الحالات المستعجلة و تقسم إنها تشاهد وصول الدواء إلى المصلحة كما إنها توقع على استلامه و لكنها لا تجده عند الحاجة. من أي جهة تشق الأدوية و الأجهزة طريقها و من المسئول؟ كما أخبرتني مختصة أخرى بمستشفى بالعاصمة أنها غادرت مصلحتها بسبب الرشاوى و السرقة و أنها فضلت تغيير المصلحة إلى منصب اقل أهمية بالرغم من كفاءتها و قدمها المهنيين، لأنها خافت على نفسها – فهي إما متورطة و ضالعة و إما مضطرة إلى التبليغ و هذا ما كانت تخشاه. كما أن آخر طبيب عرفته في المستشفي كان يحسن للناس العامة كثيرا وجد نفسه قابعا في السجن و لا نعلم إن هو حقا متهما و الله أعلم ما سبب التهم الموجهة إليه. ندعو الله أن يعينه على تجاوز هذه المحنة وأن يعود إلى أهله سالما لأنه فعلا إنسان طيب بشهادة عامة الناس و خاصتها.
لا يهم أن يصبح القطاع الخاص هو القطاع الأصلح و السائد في بلادنا و أتمني له النجاح بقدر صلاحه و لكن ما يؤرقني فعلا هو ما يحاصر الناس عموما . أين سيذهب من ليس له " الإمكانيات و المعرفة- الواسطة"؟ و هم كثر منذ التسعينات التي عرفت فيها بلادنا انتشارا واسعا للبطالة و الفقر منذ أن وقعنا في حفرة صناديق النقد و البلاء و حلفاؤهم و غيرهم ممن استطاعوا أن يخططوا لكل شيء تحول عندنا إلى مصائب سوداء ينفذها من أوساط الشعب أو هكذا يبدو الحال ... و حتى ولو كان للبعض من الناس وساطة فهل لنا أن نتصور كيف سيصبح سلوك الناس – بعد انتشار مكرس للمحسوبية و الرشوة و لغة الزبائن .
Affichage des articles dont le libellé est santé publique. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est santé publique. Afficher tous les articles
mercredi 20 octobre 2010
Inscription à :
Articles (Atom)